ابن الجوزي
150
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال : أخبرنا أبو بكر الأنباري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أحمد بن عبيد الله ، قال : حدثنا محمد بن يزيد بن ريان الكلبي ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : لما اشتدت شوكة أهل العراق وطال وثوبهم بالولاة يحصبونهم ويقصرون بهم أمر عبد الملك ، فنادى الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فخطبهم ثم قال : أيها الناس ، إن العراق قد علا لهيبها ، وسطع وميضها ، وعظم الخطب فيها ، فجمرها ذكي وشهابها وري [ 1 ] ، فهل من رجل ينتدب لهم ذي سلاح عتيد ، وقلب شديد ، فيخمد نيرانها ، ويبيد شبانها ، فسكت الناس ، فوثب الحجاج بن يوسف ، وقال : أنا يا أمير المؤمنين ، قال : ومن أنت ؟ قال : الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظيم القريتين ، قال له : اجلس فلست هناك ، ثم / أطرق عبد الملك مليا ، ثم رفع رأسه ، وقال : من للعراق ؟ فسكت الناس ، فوثب الحجاج وقال : أنا يا أمير المؤمنين ، قال : ومن أين أنت ؟ قال : من قوم رغبت في مناكحتهم قريش ولم يقيت منهم ، وإعادة الكلام مما ينسب صاحبه إلى العيّ ، ولولا ذلك لأعدت الكلام الأول ، فقال له : اجلس فلست هناك . ثم أطرق عبد الملك مليا ورفع رأسه وقال : من لأهل العراق ؟ فسكت الناس ، فقال : ما لي أرى الليوث قد أطرقت ، ولا أرى أسدا يزأر نحو فريسته ، فسكت الناس ، فوثب الحجاج فقال : أنا للعراق ، يا أمير المؤمنين ، قال : وما الَّذي أعددت لأهل العراق ؟ قال : ألبس لهم جلد النمر ، ثم أخوض الغمرات ، وأقتحم الهلكات ، فمن نازعني طلبته ، ومن لحقته قتلته بعجلة وريث ، وتبسم وازورار ، وطلاقة واكفهرار ، ورفق وجفاء ، وصلة وحرمان ، فإن استقاموا كنت لهم وليا حفيا ، وإن خالفوا لم أبق منهم أحدا ، فهذا ما أعددت لهم يا أمير المؤمنين ، ولا عليك أن تجربني ، فإن كنت للطلى قطاعا وللأرواح نزاعا ، وللأموال جماعا ، وإلا فاستبدل بي فإن الرجال كثير . فقال عبد الملك : أنت لها ، ثم التفت إلى كاتبه ، وقال : اكتب عهده ، ولا تؤخره ، وأعطه من الرجال والكراع والأموال ما سأل .
--> [ 1 ] ورت النار : اتقدت .